السينما كصوتٍ للمرأة.. نادية درويش من حلم الطفولة إلى كاميرا الثورة السورية
السينما كصوتٍ للمرأة.. نادية درويش من حلم الطفولة إلى كاميرا الثورة السورية
الثورة ليست مجرد حدث سياسي أو عسكري، بل هي تحول في الوعي الجمعي، وانبعاث لقيم جديدة تُعيد صياغة الفرد والمجتمع، هكذا كانت ثورة 19 يوليو بالنسبة للكثير من أبناء وبنات شمال وشرق سوريا، حيث لم تقتصر على دحر قوى الهيمنة واستعادة الأرض، بل منحت النساء والشباب فضاءً لاكتشاف ذواتهم، وتحويل أحلام الطفولة إلى مشاريع رائدة.
من بين هؤلاء برز اسم المخرجة نادية درويش، القادمة من مدينة رأس العين، والتي انتقلت من دراسة الكيمياء إلى تأسيس حضور سينمائي فاعل، لتصبح الكاميرا في يدها أكثر من أداة فنية، بل وسيلة لمقاومة النسيان، وتثبيت صورة المرأة الكردية قوة خالقة ومبدعة، بحسب ما ذكرت وكالة "JINHA"، اليوم الجمعة.
تقول نادية: "منذ طفولتي كنت مفتونة بعالم التلفاز، أراقب الممثلين وأتابع البرامج الفنية بشغف، لكن لم تكن هناك سينما كردية في منطقتنا، ولا منصات لعرض القصص الحقيقية لشعبنا.
ومع انطلاق الثورة، تأسس "كومين فيلم" كخطوة أولى نحو صناعة سينما تعبّر عن هويتنا"، مشيرةً إلى أن التحاقها بالدورة التدريبية الأولى عام 2015 كان بمنزلة الانطلاقة التي غيّرت مسار حياتها.
السينما تفتح باباً للتعلم
تجربتها الشخصية لم تكن سهلة، فقد انقطعت عن دراسة الكيمياء بسبب الحرب، وتحمّلت مسؤوليات عائلية في سن مبكرة، لكن دخولها مجال السينما فتح أمامها باباً جديداً للتعلم والعمل الجماعي والإبداع.
ومع مرور السنوات، راكمت خبرة جعلتها جزءاً من إنتاج الأفلام القصيرة والطويلة والمسلسلات، واضعةً اسمها كإحدى المخرجات البارزات في شمال وشرق سوريا.
أحد أبرز التحولات التي شهدتها السينما الكردية بعد الثورة كان الحضور الفاعل للمرأة أمام الكاميرا وخلفها.
تقول نادية: "لم تعد المرأة مجرد ممثلة لدور تقليدي، بل أصبحت كاتبة للسيناريو، مخرجة، وفنية صوت وصورة.. هذه النقلة لم تكن مجرد مشاركة شكلية، بل كانت ولادة حقيقية لفلسفة المرأة في السينما، فهي تروي قصتها بنفسها، وتعكس واقعها كما هو"، معتبرة أن هذا التغيير كسر الصور النمطية التي حاصرت النساء لعقود.
هذا الحضور لم يكن سهلاً، فقد واجهت السينما الوليدة تحديات ثقافية واجتماعية، وصوراً نمطية عالمية اختزلت المرأة في أدوار "الزوجة أو الخادمة أو موضوع الجنس"، لكن بفضل إرادة المخرجات والفنانات، تغيّر موقف المجتمع، وبدأت العائلات بدعم بناتهن للانضمام إلى هذا الحقل الفني، بل وأصبحت المؤسسات النسوية شريكاً في دعم هذا المسار.
من وثائقي إلى أيقونة عالمية
نقطة التحول الكبرى في مسيرة نادية كانت مع فيلمها الوثائقي "جنوار"، الذي وثّق مراحل بناء أول قرية نسائية في الشرق الأوسط.
تقول: "كان الفيلم أكثر من مجرد عمل فني، لقد كان توثيقاً لولادة فكرة على الأرض.. النساء هن من بنين هذه القرية بأيديهن، ومن أجلهن، وكنت شاهدة على تفاصيل التجربة منذ وضع الحجر الأول حتى استقرار الحياة داخلها".
الفيلم لم يقتصر على العرض المحلي، بل جال في مهرجانات عالمية، حصد جائزة أفضل فيلم وثائقي في الأوروغواي عام 2025، ودُرّس لاحقاً مادة أكاديمية في جامعات أمريكية مثل نيويورك، والأهم من ذلك، أنه أسهم في حشد دعم دولي لاستكمال بناء القرية، وتحويلها إلى رمز عالمي لتمكين النساء.
السينما كأداة للتغيير
بالنسبة لنادية، السينما ليست مجرد فن، بل مسؤولية ورسالة. تقول: "نحن نعيش في منطقة مليئة بالقصص التي لم تُروَ بعد.. مهمتنا أن نُخرجها للنور، سواء كانت قصص نازحين، أو حكايات نساء فقدن أطفالهن بسبب الحرب، أو لحظات الفرح الصغيرة وسط الدمار".
حالياً تعمل مع فريق "كومين فيلم" على إنتاج فيلم جديد يروي قصة عائلة نازحة من سري كانيه إلى قامشلو، ويركّز على التحديات التي تواجهها النساء والأطفال، وكيف يلعب التضامن المجتمعي بين الكرد والعرب والسريان والأرمن دوراً في تخفيف الألم وإعادة بناء الحياة.
ترى نادية أن السينما في شمال وشرق سوريا ما زالت في بداياتها، لكن الطموح يتجاوز الحدود. فالحلم هو إنتاج عشرات الأفلام سنوياً، وخلق صناعة سينمائية محلية قادرة على مخاطبة الداخل والخارج، ومنح المرأة مزيداً من المساحات لتكون صانعة للقصص لا موضوعاً لها.
وتختم بقولها: "أحلم أن تصل أفلامنا إلى كل امرأة في العالم، لتجد نفسها في قصة ما، ولو بجزء بسيط.. السينما قادرة على توحيدنا وكسر الحواجز، ونحن سنواصل العمل مهما كانت التحديات، لأن المرأة إذا آمنت بنفسها، تستطيع أن تُغيّر العالم".